ابن عجيبة
227
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
لكن لا يغفل عن التقوى ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام : « أنا أعرفكم باللّه ، وأنا أتقاكم له » . وقالوا : « من علامة النهايات الرجوع إلى البدايات » . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر الحق تعالى ميقات الحج الزماني ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 197 ] الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ ( 197 ) قلت : ( الحج ) : مبتدأ ، على حذف مضاف ، أي : إحرام الحج أو فعل الحج ، و ( أشهر ) : خبر ، وإذا وقع الزمان خبرا عن اسم معنى ؛ فإن كان ذلك المعنى واقعا في كل ذلك الزمان أو جلّه ؛ تعيّن رفعه عند الكوفيين ، وترجح عند البصريين إذا كان الزمان نكرة ، نحو : السفر يوم . إن كان السفر واقعا في جميع ذلك اليوم أو في جلّه ؛ لأنه باستغراقه إياه صار كأنه هو ، ويصح : السفر يوما ، أو في يوم . وإن كان ذلك المعنى واقعا في بعض ذلك الزمان تعيّن نصبه أو جرّه ب ( في ) ، نحو : السفر يوم الجمعة ، أو في يوم الجمعة وقد يرفع نادرا . قال في التسهيل : ويغنى - أي : ظرف الزمان - عن خبر اسم معنى مطلقا ، فإن وقع في جميعه ، أو في أكثره ، وكان نكرة ، رفع غالبا ، ولا يمتنع نصبه ولا جره بفي خلافا للكوفيين . وربما رفع خبر الزمان الموقع في بعضه . ه . ومن ذلك : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فإن جلّها تصلح للإحرام . يقول الحق جل جلاله : وقت إحرام الحج أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ : شوال وذو القعدة وذو الحجة ، فمن أحرم قبلها كره عند مالك ، وبطل عند الشافعي ، فَمَنْ فَرَضَ على نفسه فِيهِنَّ الْحَجَّ فيلزم الأدب والوقار ، ويجانب شهوة النساء ، ( فَلا ) يقع منه رَفَثَ أي : جماع أو كلام فحش ، وَلا فُسُوقَ أي : ذنوب ، وَلا جِدالَ فِي زمان الْحَجُّ ولو مع المكاري « 1 » أو الخدّام ، ولا غيره من أنواع الخصام ؛ فإنه في حضرة الملك العلام . وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ كحلم وصبر وحسن خلق يَعْلَمْهُ اللَّهُ فاستبقوا الخيرات ، وتزودوا قبل هجوم الممات ، واتقوا اللّه حق تقاته فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى . أو تزودوا لسفر الحج ، ولا تسافروا كلّا على الناس ؛
--> ( 1 ) المكارى : هو مكرى الدواب . ويغلب على الحمّار والبغّال ، وجمعه : مكارون .